إعادة كتابة تاريخ السودان .. ضرورة ملحة
محمد الحبيب مدثر.
مجلة الخرطوم مارس 1993 - رمضان 1413 هـ
قرأت آخر كتاب صدر عن المطبعة السودانية بعنوان (الخليفة عبد الله) وهو الكتاب الخامس من سلسلة كتاب السودان الحديث " تأليف الصحفي عمر علي قسومة بقسم البحوث والمعلومات بدار الثقافة للطباعة والنشر. ولا مجال هنا للحديث عن الكتاب المذكور وربما عدة مرات أخرى للحديث عنه، لأنه كتاب نفيس. ما لفت نظري بين سطور الكتاب أن مؤلفه يعتبر المؤلف نعوم شقير "مصدر ثقة في هذا المجال" والمجال بالطبع هو تاريخ المهدية!! للقاريء أن ينظر في السطر 14 صفحة 17 من الكتاب المذكور. لعل الكثيرين لا يعلمون بأن هناك أربعة كتب وضعها أجانب لتشويه تاريخ السودان ومسخ صورة المهدية وأولها:
كتاب (المهدية والسودان 1891) لمؤلفه رونالد رجنالد ونجت مدير قلم المخابرات الإنجليزية بمصر والذي رافق جيش كتشنر لغزو السودان وأصبح فيما بعد سردادراً (حاكم عام) للسودان. إذا كان الغزاة المستعمرون قد كسبوا معركة كرري بالتفوق في السلاح الناري وقضوا على أول دولة إسلامية مستقلة في افريقيا فإن رجنالد ونجت وعملاءه من السودانيين كان لهم دور رئيسي في هزيمة الجبهة الداخلية بإطلاق الإشاعات في أم درمان بغرض بلبلة أفكار الخليفة وربما كانت هي السبب الذي جعل الخليفة عبد الله يهاجم مدافع المكسيم في ساحة كرري وفي وضح النهار! أما الكتاب الثاني فهو:
(أسر عشر سنوات في معسكر المهدي 1892) لمؤلفه الأب أوهرولدر الذي طلب منه نفس المدعو ونجت كتابة مذكراته في أسر المهدي بعد أن كان ينشر الدين المسيحي في جبال النوبة. كتب الأب أوهرولدر أصول الكتاب باللغة الألمانية. ويقول شقير بأن ونجت بك ألف منها كتابا بالإنجليزية نال رواجاً عظيماً في أوربا كلها لما لم يستجب أوهرولدر لطلب المخابراتي ونجت الذي كان قد أنقذه من الأسر؟ رتب ونجت وهو بالقاهرة هروب الأب من سجن أم درمان مع مطران النمسا في القاهرة يقول شقير في كتابه جغرافية وتاريخ السودان "فأرسلا إلى أم ردمان خبيراً من عبابدة السيالة يدعى أحمد حسن فأنقذ الأب أوهرولدر الذي أسر في جبل الدان وراهبتين من راهبات الأبيض. فخرج بهما من أم درمان في 29 نوفمبر سنة 1891 على أثر فتنة الأشراف ..." أما الكتاب الثالث فهو:
(النار والسيف في السودان 1896) لمؤلفه سلاطين باشا الذي غش الخليفة عبد الله بإسلامه واختار له اسم عبد القادر وعاش معززاً في كنفه إلى أن دبر له ونجت من القاهرة أيضاً الهرب من أم درمان بمساعدة جعلي يدعى العجيل يقول نعوم شقير عن أهمية سلاطين "ومطلعاً على أسرار حكومة التعايشي فأوعز إليه ونجت بك فشرع حال وصوله في كتابة معلومات لغته الألمانية فأنشأ منها ونجت بك كتابا ثميناً في الإنجليزية ونشر ثم ترجم إلى أهم اللغات الأوربية وكان له عظيم شأن في أوربا" انتهى كلام نعوم شقير. معنى كلام شقير أن ونجت رجل المخابرات – الخطير وراء تأليف الكتابين المذكورين أعلاه، وهما كتابان أساءا إلى الخليفة وحكمه في أم درمان. يكفي أن نورد هنا تعليق الجاسوس نعوم شقير على الكتابين الآخرين وقد جاء (النار والسيف والسودان) بعد كتاب أوهرولدر محرضاً قوياً للحكومة المصرية على استرجاع السودان، انتهى التعليق لكن لاحظ إقحامه للحكومة المصرية بدل الحكومة الإنجليزية أليست هذه الطريقة في الصياغة التاريخية دليلاً ساطعاً على تزوير تاريخ السودان الذي اشتهر به شقير؟ الملاحظ أن ونجت تعمد إصدار هذه الكتب لاقناع الرأي العام الإنجليزي ومجلس العموم والملكة فكتوريا بغزو السودان. وقد تم له ذلك بتجريد حملة السردار كتشنر الذي اختار المخابراتي ونجت ليرافقه من القاهرة إلى الخرطوم فاتحاً!! أما الكتاب الرابع فهو كتاب الجاسوس نعوم شقير باسم:
"جغرافية وتاريخ السودان"
لا تعليق عليه لأنه صدر أيضاً بتعليمات من ونجت وجاء مليئاً بالمغالطات والأكاذيب. لكن جاء بعد هؤلاء المؤرخين المغرضين مؤرخون يحترمون أنفسهم ويلتزمون بالأمانة التاريخية من أمثال ب. م. هولت الذي ذكر في كتابه "الدولة المهدوية" نقلاً عن كتاب كرري نورد ما يلي: "هناك جانب أهمله الكتاب والمؤلفون الذين انحصرت نظراتهم المركزة على فظائع وأهوال عهد الخليفة عبد الله ألا وهو جانب الانجازات والإنشاء والتعمير فلم يكن عهد الخليفة عبد الله يمثل فترة مخيبة للآمال أعقبت فترة سني الثورة الذهبية فقط بل كان أيضاً فترة تنظيم وتعمير برز خلالها توازن دقيق للقوى والعوامل المختلفة..." ألا رعى الله الرائد عصمت حسن زلفو حين أبرز في متابه "كرري" المصادر السودانية والأجنبية التي قدمت تحليلاً خالياً من التشفي والانتقام وبعيداً عن الغرض الذي يعمي الأبصار عن الحقائق. فقد ترجم الكلام الذي أوردناه عن البروفيسور هولت كما أنه علق على أثر أكاذيب سلاطين في أذهان الغربيين بقوله "لابد لنا من وقفة مع سلاطين فإلى عهد قريب كان لكتابات سلاطين أثر واضح في تكييف تصور العالم للخليفة والمهدية". ومضى زلفو يقول "وكان لكتابه السيف والنار في السودان أثر عالمي مدوٍ وخصوصاً في انجلترا. فقد صدم القراء من المعلومات والقصص الدموية والوحشية التي بالغ في وضعها فكان أن تحمس العالم لحملة كتشنر" وعلق زلفو على هذا الكلام بقوله " والنظرة الحديثة لكتابات سلاطين عن الخليفة عبد الله تعتبر الآن حتى بين المؤرخين الأوربيين كنوع من الدعاية الحربية: هذا يقودنا إلى ما سجله زلفو في كتابه عن المؤرخ السوداني المشهور محمد عبد الرحيم الذي تحدث عن الخليفة عبد الله بقوله " وعلى كل حال أقول انني لازمت الخليفة حيناً من الدهر وسبرت أخلاقه وصليت خلفه وسمعت وعظه ورأى فيه كمؤرخ يزن الأمور بميزان العدل أنه كان حكيماً حاذقاً ناسكاً بطلاً لا يهاب المكاره ولا تأخذه في الحق لومة لائم لا يغفر عن المسيء ويضرب على يد الظالم ولو كان من ذوي قرابته". هذه مقدمة قصدت بها أن أتحدث عن أهمية إعادة كتابة تاريخ السودان فمنذ أن نالت بلادنا استقلالها ظل المثقفون يتحدثون حول هذا الموضوع لكن لم يشاركهم المسئولون في العهود البائدة في الاهتمام به لأنهم عفا الله عنهم كانوا مشغولين بلعبة الكراسي. وللأسف المعروف في بلادنا ان كل أمر يجول في أذهان المثقفين لا يصبح حقيقة واقعة ولا يدخل في دائرة التنفيذ إلا إذا احتضنته الدولة وضمن في برامجها للتنفيذ وبحمد الله فقد أعلن قائد ثورة الانقاذ الوطني تبني الدولة لشعار إعادة كتابة تاريخ السودان وأصبح تنفيذ ذلك الشعار من صميم الاستراتيجية القومية الشاملة وتم بالفعل تكريم شهداء واقعة ام دبيكرات في احتفال كبير أقيم في الموقع وشمل التكريم تعمير ام دبيكرات. لا يفوتني هنا أن أشير إلى أن بعض المؤرخين بوازع من ضمائرهم انبروا لتصحيح بعض الجوانب وابراز العامل الوطني في تحليلاتهم وقد سبق أن ذكر الرائد (م) عصمت حسن زلفو الذي نقب في المتحف البريطاني بلندن لمدة عام وفي دار الوثائق المركزية وقدم لنا كتابا نادراً وهو كرري كما أعقبه بعد ذلك بكتاب آخر وهو شيكان. ولا بأس أن نذكر بعض المؤرخين السودانيين الذين التزموا الدقة التاريخية من أمثال محمد عبد الرحيم ويوسف فضل حسن ومحمد ابراهيم أبوسليم والتجاني عامر وضرار صالح ضرار إلا أن بعض المؤرخين كانوا قد تأثروا بكتابات الأجانب ولا داعي لذكر اسمائهم حين نتحدث عن إعادة كتابة التاريخ لا نقصد بالطبع إصدار الكتب التاريخية فقط، نعني أيضاً صنوف الكتابات التي عرفها عصرنا مثل الرواية والمسرحية والفيلم. فقد مضى الزمن الذي كان فيه التاريخ مادة للكتاب وحده، فهو الآن مادة للرواية (التي تهتم بالسرد) وبالمسرحية (التي تهتم بالحوار والحركة) وبالفلم (الذي يهتم بما تراه الكاميرا). لقد سمعنا وشاهدنا محاولات في أجهزة الإعلام تستخدم المادة التاريخية ولكن ما صدر عنها حتى الآن قليل للغاية، ونأمل تحت ظلال الاستراتيجية القومية الشاملة أن تزدهر هذه الأعمال سواء كانت في الراديو أو المسرح أو التلفزيون أو السينما.
تاريخ السودان من منظور فرنسي ترجمة اعداد: البروفسير محمد علي مختار الناشر: دار عزة للنشر ـ الخرطوم 2002 الصفحات: 70 صفحة من القطع الكبير عن دار عزة للنشر صدر كتاب تاريخ السودان من منظور فرنسي للمؤرخ والباحث الراحل البروفسير محمد علي مختار، وهو كتيب صغير في حجمه غني في مضمونه والمؤلف هنا يتحرر من اسار الدراسات النمطية في تاريخ السودان والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على المصادر المكتوبة باللغتين العربية والانجليزية. والكتاب الذي اعده البروفسير مختار ينطوي على فكرة بسيطة فالمؤلف يختار مصدراً مكتوباً بالفرنسية وينقل عنه اشاراته عن تاريخ السودان بترجمة سلسة ممتعة وقد يعلق من حين لاخر على المعلومات الواردة في المصدر، وهكذا فالمؤلف لا يكتفي بترجمة النص بل يعمل في بعض المرات على توثيق المعلومة الواردة في المصدر باثباتها أو دحضها حسبما يرى. ينطلق المؤلف من مصادر التاريخ القديم وكانت البداية دراسة المصادر الفرنسية عن حضارة كرمة «2000 ـ 1750ق. م» وهنا لابد من الاشارة لاهتمام المؤرخين الفرنسيين والذين يكتبون باللغة الفرنسية بتاريخ السودان القديم خاصة حضارة كرمة وندلل هنا بالمساهمة الضخمة للمؤرخ الكبير شارل بونيه الذي تواصل جهده في التنقيب عن حضارة كرمة دون كلل لما يزيد على الثلاثين عاماً وقد تكللت هذه الجهود باكتشاف موقع اثري بالقرب من موقع الدفوفة الحالي في كرمة قبل شهور خلت، ولاشك ان هذا الكشف الجديد سيضيف الكثير إلى ما نعرفه عن هذه المملكة السودانية التي اهتم بها المؤرخون والاثاريون كواحدة من اعرق مراكز الحضارات القديمة في وادي النيل. ونلاحظ ان المؤلف والمعد يعلقان على عنوان الدراسة قائلين كان الاجدر اضافة كلمة تاريخ ليقال الحضارات والتاريخ. كذلك يرى ان الصواب هو استخدام الحضارة السودانية بدلاً عن الاثيوبية كما جرت العادة، ويشيد المؤلف هنا حرص المصادر الفرنسية على استخدام الصواب وهكذا يواصل المؤلف بحثه في قراءة الادبيات الفرنسية. في الجزء الأول استعرض ثلاثة مؤلفات عالجت تاريخ السودان القديم ثم يشير إلى مصادر تعالج تاريخ السودان الحديث. وفي حديث المصادر عن التاريخ الحديث يتم التركيز على فظاظة وقسوة الحكم التركي على السودان والسودانيين وتتحدث هذه المصادر أيضاً عن جشع الحكام الاتراك، فأحد المصادر يورد مثالاً عن هذا الجشع قائلاً: «فاذا سمع احدهم برجل له بنت بادر بطلب الزواج منها أو طلبها لأحد ابنائه، وكان طلب كهذا لا يقابل بالرفض لأن فيه ارضاء لغرور الشخص كما انه ينطوي على اخافة وتهديد، حينئذ يأخذ التركي في مطالبة والد البنت بالهدايا وراء الهدايا دون انقطاع وينتهي الامر بتدمير والد البنت». على كل ان هذا الفصل الذي كرس للحكم التركي من امتع فصول الكتاب وفيه معلومات غزيرة بعضها يتسم بالجدة ولم تتم الاشارة له في المصادر الأخرى خاصة تلك المكتوبة باللغة الانجليزية، وهذا راجع للصلة القوية بين الاتراك والفرنسيين الامر الذي مكن الباحثين والمؤرخين والفرنسيين من كسب ثقة الحكم والاقتراب من الحكام وعلى رأسهم محمد علي باشا وقد استطاعت المصادر الفرنسية سبر غور حكم محمد علي وفلسفته في الاستيلاء على السودان وحرصه على استنزاف موارده، فأحد هذه المصادر مثلاً يفسر حرص محمد علي من انشاء سفن «لإزالة العقبات بين اسوان وسنار امام نقله للاخشاب من السودان». ثم تناول المؤلف مرجعاً يتحدث عن المهدية ويبدأ بدراسة الأسباب التي ادت إلى اندلاع الثورة المهدية وهي في تقديره أسباب متداخلة وأهم ما في الأمر ان الظروف كانت مواتية لاندلاع الثورة ونجاحها، يقول المصدر: «لو ان المهدي عاش في زمن من تلك الأزمان العادية لكان ببساطة واحداً من اولئك الدراويش الذين كثر انتشارهم بين القبائل ولم يتجاوز نفوذهم كثيراً جزيرة ابا ولم يكن ذلك الرجل الذي يعد من بناة الامبراطوريات. ونلاحظ حرص المصدر الفرنسي في الحديث عن المهدية على الموضوعية والحياد، وهذا على عكس المصادر الانجليزية التي تدرس المهدية من موقف عدائي واضح، بل ان المصدر الفرنسي يحاول في بعض الحالات الدفاع عن المهدي والمهدية، وهذا المصدر يسعى لدحض بعض التهم التي نشرها اعداء المهدي له، مثل اقباله على النساء أو ما اشار اليه المترجم بـ «الشهوانية» يقول المصدر «هنالك من شنوا هجوماً على شهوانيته «المهدي» دون ان يذهبوا إلى ذكر شيء عنها». كذلك اشار المترجم إلى اهتمام المصدر بالصراع بين المهدي والعلماء، يقول المصدر ان اغلب هؤلاء العلماء اهتموا بتهمة خاصة تنفي اتصاف المهدي بالمهدية وحق اللقب لكنهم صمتوا عن مذهبه أو نظريته وكان عليهم تركيز نقدهم في هذا الموضوع، لومهم يصفون الرجل ليس بالضرورة توضيحاً لسوء الفهم التي ستتبناها في واقع الامر ان المصدر كثير الاعجاب بالمهدي لدرجة الانحياز له ولدعوته، ثم يعالج المصدر الفرنسي حقبة الخليفة عبدالله ويبدأ بالحديث عن امدرمان معبراً عن دهشته عن اختيار الخليفة لموقع المدينة قائلاً: «ليس في امدرمان مقومات مدنية وليس فيها ما يبرر فقد النماء والازدهار بل مجرد وجودها وقيامها» وهنا يضع المترجم قوساً معلقاً على ذلك القول مخاطباً المصدر امدرمان يا استاذ أصبحت اكبر واعظم مدينة بالسودان» ويختم المصدر هذا الجزء مدافعاً عن معاملة المهدية للأسرى ومنها كانت معادلة رسمية وتبادل الشركة. أما الكتاب التالي الذي تناوله المؤلف فهو دراسة عامة بعنوان السودان ويتحدث عن السودان واهله وعاداتهم يلاحظ ان اغلب المجموعات التي درست في هذا الجزء من جنوب السودان مثل الدينكا والزاندي وينتهي كتاب بإشارات سريعة لمصدرين الأول يعالج قضايا الإدارة في السودان وعنوانه السودان النيلي والإدارة، والثاني عنوانه جمهورية السودان. يزيد المترجم بصفة خاصة للكتاب الأول وذلك لما اشتمل عليه من معلومات غزيرة تفيد القاريء العام. نخلص من كل ذلك لأهمية هذا الكتاب الصغير الذي لا تتجاوز صفحاته السبعين صفحة لكنه يسد فراغاً كبيراً في المكتبة السودانية. وما احوج هذه المكتبة لمثل هذه المساهمات للانعتاق من اسر الأدبيات المكتوبة باللغة الانجليزية إلى غيرها من أدبيات خاصة المكتوبة باللغات الأوروبية الأخرى كالفرنسية والألمانية والأسبانية. محمد المهدي بشرى المصدر: http://www.albayan.co.ae/albayan/book/2003/issue266/arabiclib/2.htm
الشيخ إبراهيم بن عبد الله
وكان ثمة رجل غريب آخر التقى به ليج Legh وسملت Smelt قبل ذلك في رحلتهما بالنيل الأعلى. وقد التقيا به لأول مرة في أسيوط. ثم رأياه بعد ذلك مرة أخرى في رحلتهما عائدين من (أبريم)، ولم يتمكنا من الوصول إلى حقيقته أو استجلاء سره، فقد كان يتكلم الإنجليزية والفرنسية بإجادة تصل إلى مرتبة الكمال، ومن الجلي أنه رجل مثقف واسع المعرفة على دراية جيدة بأوربا، ومع ذلك كان يدعو نفسه الشيخ إبراهيم "وهو حسن الهندام إلى أقصى درجة على الطراز التركي" وكان الجميع يعاملونه في كل مكان على أنه عربي. ولم يتسن للإنجليزيين – إلا بعد عودتهما إلى انجلترا فعلاً – أن يعلما أن الاسم الحقيقي لذلك الرجل هو " جون لويس بركهارت Burchkartd وأنه كان مبعوثاً إلى هناك من انجلترا، من قبل جماعة من الناس كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "جمعية تحسين وترقية اكتشاف المناطق الداخلية في أفريقيا". فلم يكن بركهارت رحالة أو مسافراً بطريقة عارضة على الإطلاق، بل كان دارساً ورجل علم له أهداف محددة يسعى لتحقيقها. وعندما أبصره ليج وسملت كان مشغولاً برحلة كتب لها أن تكشف اللثام عن نهر النيل في السودان، كما لم يعرفه العالم من قبل !
وكان بركهارت سويسرياً، ولد في أسرة موسرة من أسر لوزان. ومن العسير أن يتصور المرء رجلاً خارقاً للمألوف أكثر من بركهارت، فمكانه الحقيقي في جامعة من الجامعات الألمانية الصغيرة التي تتصف رغم صغرها بالامتياز العلمي، لأنه كان عالماً يتصف بمثابرة شديدة واجتهاد عظيم وشغف كبير بالتفصيلات. ويبدو أنه كان متفوقاً في كل الأعمال التي حاولها أو تولاها، سواء كان ذلك في دراسة الطب، أو دراسة الكيمياء، أو دراسة اللغات الأجنبية. فلو أتيحت له حياة مستقرة بين كتبه وأوراقه لكان ذلك حسبه لحياة سعيدة مديدة، بيد أنه عزف عن ذلك كله، فحملته دوامة جبارة من الخيال إلى أصقاع أفريقيا وبلاد الشرق، وبدلاً من أن يحصل العالم على معلم يرتدي الروب الجامعي والقلنسوة الجامعية ، ظفرنا برجل رحل كالبدو، يرتدي الجلابية والعمامة، ويمتطي صهوة حمار. وذلك أنه كان رجلاً تسيطر على عقله فكرة ثابتة، ولكن بصورة منهجية إلى أقصى درجة، فإذا به في هذه البيئة الفطرية الحافلة بالمخاطر، يبدو كدوداً مجتهداً منطقياً كما لو كان أستاذاً في قاعة درس. والحقيقة أنه كان نحوياً حتى في ارتياده وكشوفه، بمعنى أنه فقيه متحذلق تحول إلى رحالة مرتاد، أو عالم في الكلاسيكيات يعيش في البرية، ولم ينقذه من الاستغلاق والسماجة إلا تمتعه بحاسة لطيفة جداًَ للفكاهة، فهو من ذلك الطراز من الرجال الذي يمكن أن يتحمل أيما مشقة في سبيل إرضاء حبه للاستطلاع وهو من هذه الناحية ينتمي إلى تلك الطائفة الصغيرة من الرومانسيين الموهوبين – ومن أعضاء هذه الطائفة الآخرين "براون" و "بيرتون" – الذين يكتشفون افريقا لا بقصد التجارة ولا خدمة لنشر المسيحية، ولا طمعاً في ذيوع الصيت، بل لا لأسباب جغرافية، بل لمجرد أن ما يرونه يستهويهم.! ولا ريب في أن حياة بركهارت الأولى ذات شأن في شعوره بعدم الاستقرار، فوالده أصابه الخراب على يد حزب بونابرت في سويسرا، حتى انه قدم للمحاكمة بتهمة عقوبتها الإعدام ألا وهى إفشاء الأسرار إلى النمسويين. فشب بركهارت على مقت الفرنسيين. وبمجرد أن تمكنت له الوسائل للفرار من سويسرا هرب إلى ألمانيا سنة أو سنتين في جامعة كمبردج يدرس اللغة العربية، ثم قدم نفسه إلى الجمعية الإفريقية الحديثة التكوين، وعرض عليها التوجه إلى أفريقيا كيما يكتشف باسمهم منابع نهر النيجر والجزء الأوسط من القارة الافريقية. وكان ثمة جانب كبير من الاضطراب والغموض فيما يتصل بنهر النيجر ونهر النيل في ذلك الحين، لأن كثيرين من الجغرافيين ذهب بهم الظن إلى أن هذين النهرين قد يتمخض أمرهما في النهاية عن كونهما نهراً واحداً في الواقع. وتم الاتفاق على أن يكون مرتبه صغيراً، بل كان ذلك المرتب من الضآلة بحيث كتب عليه ألا يتذوق مناعم الرفاهية – التي تتيحها الحضارة. مرة أخرى إلى يوم مماته. وتم الاتفاق كذلك على أن يستكمل معرفته باللغة العربية عن طريق إقامته سنتين في سوريا. وبعد هاتين السنتين كان عليه أن يتوجه لاكتشاف أواسط افريقيا.
وقام بركهارت بإعداد نفسه لهذه الرحلة الافريقية بالسير حافي القدمين في أرجاء الريف الانجليزي، وبقضاء لياليه نائماً في العراء، وبمعيشة قوامها الوحيد الماء والنباتات. وفي سنة 1809 أقلع من إنجلترا. أما مغامراته التي تلت ذلك فلا معرفة لنا بها على الإطلاق تقريباً، إلا من خلال تلك المذكرات المستفيضة والرسائل التي كان يرسلها من هناك إلى الجمعية الافريقية، لأنه لم يعد بعدها قط إلى أوربا. وكان قليل الاحتكاك جداً والاتصال بغيره من الأوربيين الموجودين في بلاد الشرق. فهو قد كتب مثلاً من جزيرة مالطة، حيث أرخى لحيته الغزيرة: "سأنطلق من هاهنا وأنا متخذ لنفسي سمات تاجر هندي مسلم.. وعن قريب جداً سيضيع أثري في زحام الناس بمدينة حلب" وبعد ثلاث سنين من ذلك التاريخ، ظهر في مدينة القاهرة قادماً إليها بطريق (بترا) التي لم يقم بزيارتها منذ العصور الوسطى إلا نفر قليل جداً من الأوربيين. هذا إذا صح أن أوربياً غيره قام بتلك الزيارة من قبله. وكان تمكنه من اللغة العربية قد أصبح الآن تاماً، بحيث استطاع أن يتخذ لنفسه اسم الشيخ "ابراهيم بن عبد الله" واعتبره الناس حجة مسموع الرأى في الشريعة الإسلامية. ويرجع بعض الفضل في تقدمه في لغة العرب إلى أنه لفرط اجتهاده أقدم أثناء إقامته بسوريا على ترجمة "روبنسون كروزو" إلى اللغة العربية ترجمة أدبية كانت بمثابة إعادة لإنشاء هذه القصة من جديد. ومن دلائل ذلك التمكن أيضاً أن للخمر مثلاً في الشعر العربي نحو مائة وخمسين لفظاً مختلفاً كان يعرفها جميعاً!
وفي شهر مايو سنة 1813، كان بعد في التاسعة والعشرين من عمره، حينما كتب إلى الجمعية الإفريقية من بلدة (إسنا) الواقعة على ضفة النيل الأعلى بالصعيد، يخبرها بأنه كان قد التقى بالبريطانيين "ليج" و "سملت" ، وأنه قد تمكن من التصعيد في النهر حتى وصل إلى قرب (دنقلة)، وأنه كان يعتزم القيام برحلة أخرى عن طريق النيل يصل بها إلى موضع التقاء ذلك النهر بنهر عطبرة بالسودان، وأنه سيشق طريقه من ذلك الموضع حتى البحر الأحمر، فيجتازه إلى مكة. ومع أنه كان يدرك أن ذلك المشروع ليس من شأنه أن يقربه من نهر (النيجر) أو وسط إفريقيا، إلا أنه كان واثقاً بأن الجمعية الإفريقية ستقره على القيام بهذه الدورة الصغيرة خارج نطاق المشروع الأصلي، لأنها ستتم في تلك الفرجة من الوقت التي ينبغي عليه أن يقضيها بلا عمل في انتظار القافلة السنوية التي ستنطلق من مدينة القاهرة إلى واحة (فزان) وداخلية الأقاليم الإفريقية الوسطى.
وبعد أكثر من سنة من ذلك التاريخ، كتب مرة أخرى من مدينة (جدة) يخبر الجمعية أنه وصل إلى بلاد العرب عن طريق (شندي) الواقعة على ضفة النيل، وأنه يعاني من علة في بصره. وبعد اثنى عشر شهراً أخرى أو نحو ذلك، أرسل تقريراً من مدينة القاهرة يقول فيه إنه كان في مكة، وإنه لم يزل في انتظار القافلة التي ستتوجه إلى فزان، وإنه في حالة صحية منحطة.
وفي ربيع سنة 1816، وصل خطاب آخر يقول فيه إنه كان فريسة مرض شديد، وإنه رغبة منه في تجنب الوباء المنتشر في الوجه البحري قد توجه إلى دير سيناء. وبعد ثمانية عشر شهراً أخرى، أى في شهر أكتوبر سنة 1817 – وجمت الجمعية الأفريقية حين بلغها نبأ موت رحالتها متأثراً بإصابته بالدوسنطاريا في مصر، غير متجاوز الثالثة والثلاثين من عمره. وقد ترك في وصيته ما كان في حوزته من المخطوطات الشرقية وعددها ثمانمائة مجلد هبة خالصة لجامعة كمبردج. وظلت الجمعية الإفريقية إلى ما بعد وفاته بمدة من الزمن تتلقى رسائله التي تأخر وصولها في الطريق بخط يده المعروف لأعضائها تمام المعرفة.
يالبركهارت المسكين! لقد مات وهو يؤكد أن في نيته حقاً التوجه إلى أواسط إفريقيا، وهو أشد ما يكون لهفة على أن تفهم الجمعية الإفريقية الأسباب التي عوقته عن الذهاب قبل ذلك، وفي مرجوه أن تمنحه فسحة وجيزة أخرى من الوقت، قائلاً إنه ربما انطلقت القافلة المنشودة أخيراً في الشهر التالي. وأن ما نعرفه عن حماسة هذا الرجل المخلص الوفي، يجعلنا لا نشك إطلاقاً في أنه كان حرياً أن يمضي إلى هناك لو امتد به الأجل، سواء تيسرت له سبل السفر مع قافلة أو بغير قافلة. ولكن الذي لا مراء فيه أن الشرق الأدنى قد سحر هذا الرجل واستولى على لبه، فلم يطاوعه قلبه على الارتحال عنه قبل ذلك.. ومن المؤكد أن السنوات الثمانية التي قضاها في التجوال ببلاد الشرق ليس من السهل أن نجد لها تفسيراً كافياً في إعداد الأهبة لرحلة إلى أواسط إفريقيا، بل الأقرب إلى الصواب أن قلبه وعقله وطبيعته الكريمة كلها كانت مستغرقة كل الاستغراق في الإسلام وفي الصحراء. وليس في وسع المرء أن يطالب لهذا الرجل بمكان عظيم في عالم الكشوف الجغرافية عن جدارة، فرحلاته إلى مكة (قبل قبل وصول بيرتون إلى هناك بنحو خمسين سنة) وإلى النيل الأعلى، كانت أعمالاً مرموقة استطاع تحقيقها في ظروف من الفاقة والمشقة حرية أن تقضي على عزيمة رجل أقل منه إصراراً. بيد أن هذه الرحلات – مهما يكن من شأنها – لم تضف الشيء الكثير إلى ما كان محدداً من قبل على الخرائط الجغرافية. إلا أننا عندما نأتي إلى رسائله ومذكراته، وإلى المجلدات الفاخرة التي استخرجت بعد ذلك منها، لا نلبث أن نتحقق من أن "بركهارت" كان رجلاً من أعظم الرحالة الذين عاشوا على وجه الأرض، من حيث دقة الملاحظة. أجل ، إن جانباً كبيراً من كتاباته – ألا وهو الجانب الذي يشمل ملاحظاته المتعلقة بالأرصاد الجوية، وتحليلاته للهجات المحلية، وقوائمه الطويلة بأسماء الأماكن – تشعر المرء عند قراءتها بالملالة والركود، ولكنه حين يتنقل نشعر أننا نتنقل في صحبته. ولا يمكن أن يشك المرء لحظة واحدة في صدق ما يرد على قلمه، لأنه ممتاز جداً في مجافاته للمبالغة، ولكنه في الوقت نفسه يجعل أتفه الأمور شأناً ينبض بالحياة، وكأنه يشدو بالغناء، فهو بذلك يعتبر الفنان صانع الرسوم المصغرة الذي يميط اللثام عن زمنه. وهكذا، في رحلته الأولى مصعداً في النيل إلى ما وراء جزيرة (فيلة)، نراه يتحدث عن الغزلان التي كانت تحوم في الصحراء قطعاناً كبيرة، حتى إذا أرخى الليل سدوله نزلت إلى ضفة النهر لتغتذي من محصولات الذرة النابتة هناك. ويقول "بركهارت" إن النوبيين كانوا يذودون هذه القطعان من الغزلان عن مزروعاتهم بإقامة فزاعات على صورة ضباع مصنوعة من القش لها أرجل من الخشب. وكان على الجملة يميل إلى النوبيين ميلاً شديداً، ويقول عنهم إنهم جماعة من الناس يمكن وصفهم إجمالاً بأنهم متوحشون عرايا الأجساد يضعون الزبد على رءوسهم "لتطرية الجلد وتنشيطه، ولإبعاد الهوام والحشرات"، ولكنهم قوم فيهم شجاعة وحب للاستقلال، ولا يكاد أن يكون للسرقة والمرض والدعارة وجود على الإطلاق تقريباً بينهم!.. ولكن قطع الطريق لم يكن معدوداً من قبيل السرقة لدى أهل النوبة، فإذا ما وقع بين أيديهم مسافر لا يتمتع بحماية أو حراسة طلبوا إليه أداء الفدية. ويقول بركهارت إنه من الحماقة أن يرفض المرء هذا الطلب، لأن النوبيين يشرعون على الفور في حفر قبر لهذا المسافر. وكان بركهارت راكباً حماره حين اجتاز بلادهم ومعه خادم واحد. وكان يعاني من الفقر، حتى إنه كان يعيش على التمر وخبز الأذرة، ولذا راح يحتج – ولكن بغير طائل – قائلاً للرجل الذي قطع الطريق عليه إنه لم يكن يملك ما يعطيه فدية عن نفسه "... وبمجرد أن شرع ذلك الرجل يعد لي قبراً، ترجلت عن الحمار ورحت أصنع قبراً آخر، وأخبرته أنني أعده كى يكون لحداً له! .. وعندئذ أخذ الرجل يضحك، وباتفاق متبادل هدم كل منا ما كان الآخر قد صنعه!"
وثمة - بعد ذلك – تلك الطرفة التي حدثت مع دليل كان قد استأجره، وهو رجل يأبى بأي صورة من الصور أن يميط اللثام مقدماً عن حقيقة المسافة التي ينبغي عليهم قطعها من مكان إلى مكان تال، فكل ما كان بركهارت يستطيع الحصول عليه من المعلومات منه، هو قوله: "نسأل الله أن ييسر لنا طريقنا .. إن الله جل شأنه في وسعه أن يطيل المسافات أو يقصرها كما يشاء!". ولم يكن الرجل مرشداً جيداً، فلما آن لهما أن يفترقا أخيراً، لم يجد بركهارت نفسه ملزماً إزاءه بأكثر من أن يقول له: "يسر الله طريقك !"، فأجابه المرشد قائلاً: "لا، فأنا في هذه المرة أطلب منك أنت أن تيسر لي طريقي". ثم طلب إلى بركهارت أن يعطيه شاله، فأعطاه إياه.
وخلال هذا الجزء الباكر من رحلته، كان بركهارت في مكان قريب من المعابد النوبية التي ينبغي في العقد السادس من هذا القرن (سنة 1960 – 1969) أن تنقل بسرعة من مكانها وإلا أغرقتها مياه السد العالي الجديد. ولا شك في أن بركهارت – حينما كان هناك في سنة 1813 – شعر بأن كل ما حوله يتسم بالبربرية المطلقة، وأن طريق عودته إلى دنيا الحضارة غير ميسرة. ورأى بعينيه في الوقت نفسه تلك المشاهد الرائعة التي لم تسجل ولم تكتشف ولم تعرف، فلم ترها عين تعرف لها قدرها قبل عينه، ومما لاشك فيه أن ذلك كله آثار لديه أحاسيس هائلة كانت المبرر الكافي لدى وجدانه لكل تلك المخاطر والمشقات التي تكبدها في رحلته. ولقد كان "دينون" في مصر يحظى على الأقل بحماية الجيش الفرنسي له ويعتمد عليه في تنقلاته ومعيشته، أما بركهارت في بلاد النوبة، فكان وحيداً بمفرده. ولئن كان أقل من دينون توفزاً وثوراناً وأقل منه من حيث الموهبة الفنية، إلا أنه كان ذا عين مدربة، وأوصافه لمعابد بلاد النوبة ليست أول وصف لها منذ العصور القديمة فحسب، وإنما هى – فضلاً عن هذا – لم تزل من أفضل ما كتب في هذا المجال.